عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

85

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » . أي : فإن تعظيمها « 1 » من أفعال ذوي تقوى القلوب ، فحذفت هذه المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها ، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى ( من ) ليرتبط به « 2 » ، وإنما ذكرت القلوب « 3 » ، لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه وقلبه خال عنها ، فلهذا لا يكون مجدّا في الطاعات ، وأما المخلص الذي تمكنت التقوى من قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص « 4 » . واعلم أن الضمير في قوله : « فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » فيه وجهان : أحدهما : أنه ضمير الشعائر على حذف مضافه ، أي : فإن تعظيمها من تقوى القلوب . والثاني : أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل قبله « 5 » ، أي : فإن التعظيم من تقوى القلوب والعائد على اسم الشرط من هذه الجملة الجزائية مقدر تقديره : فإنها من تقوى القلوب منهم . ومن جوّز إقامة ( أل ) « 6 » مقام الضمير - وهم الكوفيون - ، أجاز ذلك هنا ، والتقدير : من تقوى قلوبهم « 7 » كقوله : « فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » « 8 » . والعامة على خفض « القلوب » ، وقرىء برفعها ، فاعلة للمصدر قبلها وهو « تقوى » « 9 » . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 33 إلى 35 ] لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 ) قوله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ أي : في الشعائر بمعنى الشرائع ، أي : لكم في التمسك

--> ( 1 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 33 - 34 . ( 2 ) في الأصل بعد قوله : ليرتبط به : إلى من . وفي ب : قال الزمخشري . قال أبو حيان : وما قدره عامر من راجع من الضمير من الجزاء إلى ( من ) ، ألا ترى أن قوله : فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب . ليس في شيء منه ضمير يرجع من الجزاء إلى ( من ) يربطه ، وإصلاحه أن يقول : فإن تعظيمها منه ، فالضمير في منه عائد على ( من ) . البحر المحيط 6 / 368 . ( 3 ) في ب : المقلوب . وهو تحريف . ( 4 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 33 - 34 . ( 5 ) في الأصل : قلبه . وهو تحريف . ( 6 ) في الأصل : إلى . وهو تحريف . ( 7 ) مذهب الكوفيين وجماعة من البصريين إقامة ( ال ) مقام الضمير ، وجعلوا منه قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 41 ، 42 ) الأصل : مأواه ، ومنع ذلك بعض البصريين ، وقالوا : التقدير : هي المأوى له . انظر التبيان 2 / 941 ، المغني 2 / 501 - 502 ، الأشموني 1 / 195 - 196 . ( 8 ) [ النازعات : 41 ] . ( 9 ) تفسير ابن عطية 10 / 276 ، البحر المحيط 6 / 368 .